مجمع البحوث الاسلامية
610
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وما كان به حاجة إلى مثل هذا التّبرير ، فالإخبار بالماضي عن المستقبل مألوف في العربيّة وفي القرآن ، وأبو حيّان معذور حين يردّ على الزّمخشريّ هنا بقوله : « وأمّا سؤاله والجواب فهذا لا يسأله من له أدنى تعلّق بالنّحو ، لأنّ الأخبار قد تكون بالمستقبلات » . ثمّ قال أبو حيّان : لم نحمل وَأَنْتَ حِلٌّ على أنّه يحلّ لك ما تصنع في مكّة من الأسر والقتل ، بل حملناه على أنّه مقيم بها خاصّة ، وهو وقت النّزول كان مقيما بها ضرورة . 3 - وفي الآية قول ثالث ، هو أن يكون ( حلّ ) من الإحلال ضدّ الإحرام ، ذكره ابن القيّم في « التّبيان » . 4 - وقول رابع : أنّه من الحلول بمعنى الإقامة ضدّ الظّعن ، ذكره الرّاغب في « المفردات » ، وكذلك ابن القيّم ، وأبو حيّان - مطمئنّا إليه - ووجّهوا الآية أيضا بتأثير فكرة التّعظيم ؛ فقالوا : « قسم بحرمة المكان ، وبحلول الرّسول فيه ، قسم بخير البقاع ، وقد اشتمل على خير العباد » . وقال أبو حيّان في « البحر » : أقسم بها لما جمعت من الشّرفين : شرفها بإضافتها إلى اللّه تعالى ، وشرفها بحضور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها وإقامته بها ، فصارت أهلا لأن يقسم بها » . والحلّ لغة يحتمل أكثر الأقوال الّتي ذكرها المفسّرون ، فيكون من الحلول ضدّ الظّعن ، أو من الإحلال ضدّ الإحرام ، أو من استحلال الحرمة وانتهاكها . وربّما كان آصل معنى فيه ، هو حلّ العقدة ، ومنه قوله تعالى : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ثمّ قيل : حللت ، أي نزلت ، من حلّ الأحمال عند النّزول . وجاء الحلّ بمعنى الإحلال والاستحلال متأخّرا ، ملحوظا فيه المدلول الأصيل للمادّة ، وهو حلّ العقدة وفكّ القيد ، وبهذا المعنى - أي الحلال - جاءت كلمة « حلّ » في القرآن ، في أربع مرّات من خمس ، هي كلّ ما في الكتاب الكريم من صيغة « حلّ » . والمواضع الأربعة هي : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ المائدة : 5 ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ الممتحنة : 10 ، كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ آل عمران : 93 ، وكلّها آيات مدنيّة . والمرّة الخامسة ، الّتي استعمل فيها القرآن صيغة « حلّ » في آية البلد ، وهي وحدها المكّيّة . وأكثر ما تدور المادّة في القرآن ، على معنى الحلال : ضدّ الحرام . على أنّها جاءت بمعنى الإحلال : ضدّ الإحرام ، في آية المائدة : 2 ، وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وهي مدنيّة . كما جاءت بمعنى الحلول ، أي الإقامة في آيات : أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ الرّعد : 31 . وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ إبراهيم : 28 . الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ فاطر : 35 . وأصالة معنى الحلول في حلّ ، تجعلنا نطمئنّ إلى تفسير آية البلد به - وهو المختار عند أبي حيّان - والمعنى